يُحتفل بمهرجان التاسع المزدوج سنويًا في اليوم التاسع من الشهر التاسع من التقويم القمري، وهو مهرجان يمزج ببراعة بين التقاليد والطبيعة والأسرة. فقد حظي الرقم تسعة بمكانة فريدة وراقية في الفلسفة الصينية القديمة. وفي حكمة كتاب التغييرات (الإي تشينغ)، كان يُعتبر الرقم التاسع الأكثر تفاؤلًا، رمزًا لطول العمر والرخاء والتفاؤل. هذه الدلالة العددية، عندما تلاقت مع توقيت المهرجان الخريفي - وهو موسم يرتبط بالحصاد والتأمل والانتقال إلى الأشهر الباردة - خلقت ركنًا ثقافيًا أساسيًا يتمحور حول احترام كبار السن والسعي إلى الرفاه. وبينما تبقى مواضيعه الأساسية المتمثلة في تكريم كبار السن، والارتقاء إلى أعلى المراتب، والإعجاب بأزهار الأقحوان ثابتة في جميع أنحاء الصين الشاسعة، فإن طريقة احتفال الناس بهذا المهرجان العزيز تختلف اختلافًا كبيرًا من منطقة إلى أخرى. فقد طورت كل منطقة، التي تشكلت بفعل تاريخها المحلي المتميز وثقافتها الغنية وجغرافيتها الفريدة، مجموعة عاداتها وتقاليدها الخاصة، مما يجعل المهرجان نسيجًا نابضًا بالحياة من الاحتفالات المتنوعة. إن استكشاف هذه الاختلافات الإقليمية لا يضيف عمقاً وثراءً لفهمنا للمهرجان فحسب، بل يوضح أيضاً بشكل جليّ مدى تجذره في حياة الناس في جميع أنحاء البلاد.
في شمال الصين، وخاصة في المدن الكبرى الصاخبة مثل بكين وتيانجين، يُحتفل بمهرجان التاسع المزدوج بحفاوة بالغة وحماس كبير، لا سيما من خلال معارض الأقحوان الضخمة. يعود أصل هذا التقليد إلى عهد أسرة تانغ المجيدة، وهي فترة اشتهرت بازدهارها الثقافي. في ذلك الوقت، بدأت البلاطات الإمبراطورية بزراعة الأقحوان، لما تمثله من رمزية للصمود في وجه الشتاء القادم. وسرعان ما أصبحت هذه الزهور الجميلة، بألوانها الزاهية وأشكالها الأنيقة، جزءًا لا يتجزأ من احتفالات المهرجان.
اليوم، تتحول حدائق مثل معبد السماء المهيب في بكين وحديقة تيانجين المائية الشاسعة إلى بحارٍ من زهور الأقحوان خلال المهرجان. تُنسق آلاف الزهور ببراعة في عروضٍ متقنة تُبهج الأنظار. بعضها مُصمم على هيئة حيوانات نابضة بالحياة، تُجسد رشاقة وحركة مخلوقات مثل التنانين والعنقاء والأسود. بينما يُصنع البعض الآخر على هيئة نماذج من المباني الصينية التقليدية، مُبرزًا روعة العمارة في المعابد والقصور القديمة. تُقام مسابقات خاصة، حيث يُمنح حكامٌ خبراء جوائز لأكثر الأزهار حيويةً وصحةً وتميزًا في الشكل. تجذب هذه المسابقات هواةً يقضون شهورًا في رعاية نباتاتهم الثمينة بعناية فائقة، مُهتمين بكل جانب من جوانب نموها، من الري والتسميد إلى التقليم والتشكيل.
في يوم المهرجان، تتوافد العائلات على هذه الحدائق، مما يخلق جواً مفعماً بالحيوية والبهجة. يدفع الآباء والأمهات عربات الأطفال، ويرشدون أطفالهم الفضوليين بين الأزهار. يشرحون بصبرٍ أهمية زهور الأقحوان والمهرجان نفسه، ناقلين المعرفة الثقافية من جيلٍ إلى جيل. يتلقى كبار السن من الأقارب المساعدة من أحبائهم، ووجوههم تشرق بالابتسامات وهم يستمتعون بجمال الزهور. في كل مكان، يلتقط الناس الصور، موثقين ذكريات هذا اليوم المميز وسط الأزهار المتفتحة.
تستضيف العديد من الحدائق عروضًا فلكلورية متنوعة، مما يضفي مزيدًا من الحماس على الاحتفالات. تُعدّ رقصات التنين، بأجسادها الطويلة الملونة التي تتمايل في الهواء، مشهدًا خلابًا. يتحرك المؤدون المهرة، المختبئون تحت زي التنين، بتناغم تام، مما يُحيي هذا المخلوق الأسطوري. أما رقصات الأسد، فهي لا تقل حيوية، حيث يرتدي المؤدون أزياء أسود متقنة، ويقلدون حركات الأسود الحقيقية وهي تقفز وتدور وتتفاعل مع الجمهور. وتملأ عروض الموسيقى التقليدية، التي يعزف فيها الموسيقيون على آلات مثل الغوزينغ والبيبا والإرهو، الأجواء بألحان عذبة تنقل المستمعين إلى الماضي.
بعد الاستمتاع بالزهور والعروض، تتجه العائلات عادةً إلى المطاعم القريبة لتناول المأكولات التقليدية. وتحتل كعكة "دبل ناينث"، وهي من الأطباق الرئيسية في المهرجان، مكانةً مركزية. بتصميمها متعدد الطبقات الذي يشبه الجبل، ترمز هذه الكعكة إلى الارتقاء إلى آفاق جديدة، حرفيًا ومجازيًا. غالبًا ما تُزين الكعكة بزهرة الأوسمانثوس، وهي زهرة خريفية عطرة تُضفي عليها رائحةً ونكهةً رائعتين. وإلى جانب الكعكة، تُقدم أطباق تقليدية أخرى، مما يتيح للعائلات الاستمتاع باحتفالٍ متكامل بالطعام والثقافة والروابط الأسرية.
في جنوب الصين، وخاصة في مقاطعات مثل قوانغدونغ وفوجيان، يتخذ تقليد تسلق المرتفعات شكلاً فريداً. فبسبب طبيعة المنطقة الأكثر انبساطاً نسبياً مقارنةً بالشمال الجبلي، والأهمية التاريخية للأبراج والمعابد كمراكز دينية وثقافية، يختار الكثيرون في هذه المناطق تسلق الأبراج أو المعابد بدلاً من الجبال.
على سبيل المثال، في مدينة قوانغتشو النابضة بالحياة، يُصبح برج كانتون - أحد أطول الأبراج في الصين - وجهةً سياحيةً شهيرةً خلال مهرجان التاسع المزدوج. تتسابق العائلات والأصدقاء بحماسٍ إلى الصعود بالمصعد إلى قمة البرج، حيث تُبهرهم المناظر البانورامية الخلابة للمدينة. إن مشهد المدينة المترامية الأطراف، بناطحات سحابها الحديثة وشوارعها الصاخبة وأنهارها المتعرجة، يُثير الإعجاب حقًا. حتى أن بعض الزوار يحضرون سلال نزهة مليئة بكعكة التاسع المزدوج وشاي الأقحوان. يجدون مكانًا مريحًا، ربما على إحدى منصات المراقبة، ويقضون فترة ما بعد الظهر في الدردشة وتبادل القصص والاستمتاع بالمناظر. نسيم الخريف العليل، ممزوجًا بمذاق الشاي الحلو وملمس الكعكة الطري، يُضفي على اليوم جوًا مثاليًا من الاسترخاء.
في فوجيان، تحتل المعابد القديمة في مدن مثل تشوانتشو وشيامن مكانة خاصة في قلوب السكان المحليين خلال المهرجان. هذه المعابد، التي صمدت عبر الزمن لمئات السنين، ليست مجرد روائع معمارية، بل هي أيضاً رموز لتاريخ المنطقة وثقافتها العريقة. يُنظر إلى تسلق هذه المعابد كوسيلة للتواصل مع الماضي، واستشعار آثار الأجيال السابقة. يؤمن السكان المحليون أن كل خطوة تمثل تجاوزاً للصعاب، وكلما ارتفع المرء، زادت البركات التي سينالها في العام المقبل. أثناء التسلق، يتوقفون غالباً للتأمل في النقوش والتصاميم الدقيقة على جدران المعبد، والتي تحكي قصصاً من الأساطير القديمة والمعتقدات الدينية والتقاليد المحلية.
في المناطق الساحلية الشرقية، مثل مقاطعتي تشجيانغ وجيانغسو، يرتبط مهرجان التاسع المزدوج ارتباطًا وثيقًا بالماء، وهو ارتباط يعود إلى شبكة القنوات الواسعة في المنطقة وتراثها البحري الغني. يختار الكثيرون في هذه المناطق القيام برحلات بالقوارب في البحيرات أو الأنهار، مما يتيح لهم الاستمتاع بمناظر الخريف الخلابة من منظور فريد.
في مدينة هانغتشو الخلابة، تستأجر العائلات قوارب في بحيرة شي هو الشهيرة. وبينما يبحرون على مياهها الهادئة، يمرون بجسور البحيرة المميزة، لكل منها حكايتها وسحرها الخاص، والجزر الخضراء المورقة المنتشرة في أرجائها. وتضفي أزهار الأقحوان التي تصطف على ضفاف البحيرة لمسة لونية رائعة على المشهد الطبيعي الجميل. وتقدم بعض القوارب وجبات خفيفة تقليدية مثل كعكة عيد الفصح وكعكة الأوسمانثوس، مما يتيح للركاب الاستمتاع بالمأكولات المحلية أثناء الاستمتاع بالمناظر الخلابة. ويخلق التمايل اللطيف للقارب، وصوت الماء وهو يداعب هيكله، والأجواء الهادئة المحيطة، جواً من السكينة والاسترخاء.
إلى جانب الرحلات البحرية، تتمتع المناطق الساحلية بتقاليد عريقة في إطلاق الطائرات الورقية خلال مهرجان التاسع المزدوج. تُحلّق هذه الطائرات، المزينة غالبًا برسومات دقيقة لأزهار الأقحوان أو رموز طول العمر، عاليًا في سماء الخريف، رمزًا للرغبة في بلوغ آفاق جديدة، سواء على صعيد النمو الشخصي أو الحظ السعيد. وتضطلع المجتمعات بدور فاعل في هذا التقليد من خلال تنظيم ورش عمل لصناعة الطائرات الورقية، حيث تتاح للأطفال فرصة تعلم فن صناعة الطائرات الورقية باستخدام إطارات من الخيزران وخيوط حريرية ملونة. وتحت إشراف حرفيين ذوي خبرة، يقومون بتجميع الطائرات بعناية، وتلوينها بتصاميمهم الخاصة، وإضافة اللمسات الأخيرة. لا تقتصر هذه الورش على تعليم فن عريق فحسب، بل تُعزز أيضًا روح الجماعة والإبداع لدى المشاركين.
في المناطق الغربية من الصين، مثل مقاطعتي سيتشوان ويونان، يُحتفل بمهرجان التاسع المزدوج مع التركيز بشكل كبير على الثقافات العرقية المحلية. ففي سيتشوان، تتميز مجموعتا تشيانغ والتبت العرقيتان بعاداتهما الفريدة والملونة للاحتفال بهذا المهرجان. ويُقيم شعب تشيانغ، المعروف بتراثه الثقافي الغني، عروضًا للرقص التقليدي. يتجمع الرجال والنساء، مرتدين أجمل وأفخم أزيائهم العرقية، المزينة بالتطريزات الدقيقة والخرز والريش، في ساحات مفتوحة. وعلى أنغام الطبول والمزامير، يؤدون رقصات تُجسد مشاهد من الحياة اليومية، كالفلاحة والصيد والتجمعات العائلية. ولا تُعد هذه الرقصات مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أيضًا وسيلة لنقل المعرفة والقيم الثقافية إلى الأجيال الشابة. فهي بمثابة كتب حية تُعرّف بتاريخ شعب تشيانغ وتقاليده وأسلوب حياته. إلى جانب الرقصات، يقوم شعب تشيانغ أيضاً بإعداد أطعمة خاصة، مثل لحم الضأن المشوي الشهي وكعك الشعير المغذي، والتي يتشاركونها بسخاء مع العائلة والأصدقاء، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويخلق شعوراً بالوحدة.
في يونان، يحتفل شعب داي بهذا المهرجان بطريقتهم المميزة. يتجمعون قرب الأنهار والبحيرات، حيث يطلقون فوانيس صغيرة مزينة بزخارف بديعة في الماء. تحمل هذه الفوانيس أمنيات لكبار السن، مكتوبة بخط جميل أو مرسومة برسومات دقيقة. وبينما تطفو الفوانيس على التيار الهادئ، ترمز إلى الأمل في الصحة والسعادة وطول العمر للأحباء. تعكس هذه العادة تقليد داي في تنقية المياه، مما يضفي على المهرجان دلالة روحية عميقة. إنها لحظة تأمل ودعاء، يعبر فيها شعب داي عن حبهم واحترامهم لكبار السن وامتنانهم للنعم التي أنعم الله بها عليهم.
في المناطق الريفية في جميع أنحاء الصين، يتميز مهرجان التاسع المزدوج بسحر ريفي بسيط. فبعد أن يُنهي المزارعون المجتهدون حصاد الخريف، وهو وقتٌ مليء بالعمل والترقب، يستغلون المهرجان فرصةً للراحة والاسترخاء والاحتفال بثمار جهودهم الوفيرة. وفي ساحات القرى، قلب المجتمعات الريفية، يملأ جوٌ من البهجة والاحتفال. يحضر المزارعون معهم كعكة التاسع المزدوج محلية الصنع، ونبيذ الأقحوان المُخمّر، والفواكه الطازجة من مزارعهم. تمتزج روائح الطعام مع عبير النبيذ، لتخلق جواً دافئاً وجذاباً.
يركض الأطفال، المفعمون بالحيوية والحماس، ويلعبون الألعاب التقليدية. وتُعدّ لعبة "الريشة الطائرة"، التي يستخدم فيها اللاعبون أقدامهم وركبهم وأجزاء أخرى من أجسامهم لإبقاء كرة الريشة في الهواء، من الألعاب المفضلة. يملأ صوت الضحكات والهتافات أثناء منافستهم أرجاء القرية. كما يُعدّ إطلاق الطائرات الورقية نشاطًا مفضلًا آخر، حيث يركض الأطفال عبر الحقول المفتوحة، وتحلق طائراتهم الورقية عاليًا في سماء الخريف الصافية. في هذه الأثناء، يجتمع الكبار في مجموعات صغيرة، يتجاذبون أطراف الحديث بحماس عن الحصاد، ويتبادلون قصص تجاربهم في الحقول، ويضعون خططًا لفصل الشتاء المقبل.
في بعض القرى، يُقام احتفال خاص لتكريم كبار السن. يُقدّم لهؤلاء الحكماء ذوي الخبرة هدايا رمزية تقديرًا واحترامًا لهم. ثم يُدعون لمشاركة حكمتهم وتجاربهم الحياتية وقصصهم مع الجيل الشاب. لا تُعدّ هذه اللقاءات وسيلة لنقل المعرفة فحسب، بل هي أيضًا وسيلة لتعزيز الروابط بين الأجيال في القرية. بل إن بعض المجتمعات تُنظّم عروضًا تقليدية للدراس، حيث تُعرض تقنيات زراعية قديمة. تُذكّر هذه العروض بالجذور الزراعية للمهرجان وأهمية احترام خيرات الطبيعة. كما تُساعد في الحفاظ على المعارف والمهارات الزراعية التقليدية، وضمان عدم ضياعها على الأجيال القادمة.
حتى في المدن الحديثة سريعة الوتيرة، حيث قد تكون متطلبات العمل والحياة اليومية مرهقة، يحتفظ مهرجان التاسع المزدوج بسحره الخالد. يحرص العديد من الشباب، رغم انشغالاتهم، على زيارة آبائهم أو أجدادهم في يوم المهرجان. ويعبرون عن حبهم واهتمامهم بإحضار هدايا من الملابس الدافئة، التي تُقدّر بشكل خاص مع برودة الطقس، أو مكملات غذائية لدعم صحة كبار السن. ويصطحب آخرون أجدادهم لتناول وجبة في مطعم راقٍ، ويختارون مكانًا يقدم المأكولات التقليدية لإضفاء مزيد من الخصوصية على المناسبة.
أدركت بعض الشركات الأهمية الثقافية للمهرجان، فنظمت أنشطة لبناء الفريق احتفاءً به. وتُعدّ رحلات المشي الجماعية، التي تتيح للموظفين الاستمتاع بالهواء النقي والمناظر الخريفية الخلابة، والتعرف على بعضهم البعض بشكل أفضل، خيارًا شائعًا. كما تُنظّم رحلات لمشاهدة زهور الأقحوان، مما يتيح للموظفين فرصة الاستمتاع بجمال زهرة المهرجان المميزة في أجواء أكثر استرخاءً وتفاعلاً اجتماعيًا. ولا تقتصر هذه الأنشطة على تشجيع الموظفين على التواصل على المستوى الشخصي فحسب، بل تُعزز أيضًا الاحتفاء بالثقافة التقليدية في بيئة العمل.
في السنوات الأخيرة، ومع التطور التكنولوجي السريع، ازدادت شعبية الاحتفالات عبر الإنترنت. يتبادل الناس صورًا ومقاطع فيديو لفعاليات مهرجاناتهم على منصات التواصل الاجتماعي، مما يتيح للأصدقاء والعائلة من جميع أنحاء العالم المشاركة في الاحتفال افتراضيًا. تُرسل التهاني عبر تطبيقات المراسلة، مصحوبة غالبًا بصور جميلة ورسائل تهنئة صادقة. ظهرت معارض إلكترونية للأقحوان، حيث يمكن للناس عرض أعمالهم الفنية وصورهم وقصصهم المتعلقة بالأقحوان. كما طُوّرت تجارب الواقع الافتراضي، مما يسمح لمن لا يستطيعون السفر لأسباب مختلفة بـ"تسلق" الجبال الشهيرة أو زيارة حدائق الأقحوان. لا تُعد هذه الابتكارات الرقمية دليلًا على مرونة المهرجان فحسب، بل هي أيضًا وسيلة لضمان الحفاظ على طقوسه وتقاليده الأساسية ونقلها إلى الأجيال القادمة في العصر الرقمي.
من أكثر الجوانب المؤثرة في عادات مهرجان التاسع المزدوج الإقليمية هو كيف أنها، على الرغم من اختلافاتها، تعود جميعها إلى نفس القيم الأساسية: احترام كبار السن، ومحبة العائلة، وتقدير الطبيعة. سواءً أكانت معارض الأقحوان الكبرى في الشمال، أو تسلق الأبراج في الجنوب، أو رحلات القوارب في الشرق، أو الاحتفالات العرقية الخاصة في الغرب، فإن كل تقليد يمثل تعبيرًا فريدًا عن هذه القيم. كما تُسهم هذه التقاليد في بناء روابط ذات مغزى، داخل العائلات وبين المجتمعات.
تُضفي الاختلافات الإقليمية في الاحتفال بهذا المهرجان عليه حيويةً وجاذبيةً ثقافيةً مميزة. إذ يُتيح لسكان مختلف أنحاء الصين فرصة تبادل عاداتهم وتقاليدهم، والتعلم من بعضهم البعض، مما يُعزز التبادل والتفاهم الثقافي. وتلعب فعاليات التبادل المجتمعي، مثل مهرجان ثقافة الأقحوان السنوي في كايفنغ، دورًا محوريًا في هذه العملية. تُشجع هذه المهرجانات الحوار الثقافي بين المناطق، وتجمع أفرادًا من خلفيات متنوعة لعرض تقاليدهم وفنونهم ومأكولاتهم الفريدة. ومن خلال هذه التبادلات، يتعزز فهم أعمق لتراث الصين المتنوع، ويترسخ الشعور بالوحدة الوطنية والفخر.
مع استمرار الاحتفال بمهرجان التاسع المزدوج في جميع أنحاء الصين، لا تقتصر المحافظة على عاداته وتقاليده المحلية فحسب، بل تتطور أيضًا لمواكبة العصر. فالأجيال الشابة، بأفكارها المبتكرة ورؤيتها الجديدة، تجد طرقًا جديدة لتكريم التقاليد مع إضافة لمساتها الخاصة. على سبيل المثال، ينظم البعض رحلات مشي صديقة للبيئة، حيث يستمتع المشاركون بجمال الطبيعة ويحرصون على تنظيفها، مما يعزز الوعي البيئي والحفاظ عليها. أما في عالم الطهي، فيجرب مدونو الطعام والطهاة وصفات مبتكرة تجمع بين نكهات مهرجان التاسع المزدوج التقليدية وتقنيات الطهي المعاصرة. هذه التفسيرات الحديثة للأطباق التقليدية لا تجذب جمهورًا شابًا فحسب، بل تُعرّف المهرجان أيضًا لجمهور عالمي، ناشرةً الثقافة الصينية على نطاق واسع.
أدركت الجامعات أهمية دراسة المهرجان من منظور أنثروبولوجي، فأصبحت تقدم الآن مقررات دراسية في أنثروبولوجيا المهرجانات، تشجع الطلاب على توثيق وتحليل الممارسات الإقليمية المختلفة المرتبطة بمهرجان التاسع المزدوج. ومن خلال المشاريع البحثية والعمل الميداني والمناقشات الأكاديمية، يكتسب الطلاب فهمًا أعمق للأهمية الثقافية والاجتماعية والتاريخية للمهرجان. ولا يقتصر دور هذا الاهتمام الأكاديمي على الحفاظ على تقاليد المهرجان فحسب، بل يساهم أيضًا في إثراء مجال الدراسات الثقافية بشكل عام.
في نهاية المطاف، تُعدّ العادات الإقليمية لمهرجان التاسع المزدوج شهادةً قويةً على تنوّع الثقافة الصينية وثراءها. فهي تُجسّد أنه على الرغم من اختلاف طرق الاحتفال، إلا أن الناس يتحدون بحبّهم المشترك للعائلة، واحترامهم العميق لكبار السن، وارتباطهم الوثيق بتراثهم الثقافي. سواءً أكان المرء في مدينة كبيرة صاخبة أو قرية صغيرة هادئة، فإن مهرجان التاسع المزدوج هو وقتٌ للتلاقي، والاحتفال بأفراح الحياة، والاحتفاء باللحظات القيّمة. وقد استغلت مبادرات السياحة الثقافية جاذبية المهرجان، مُقدّمةً "مسارات التاسع المزدوج" التي تُرشد المسافرين عبر مناطق ذات احتفالات فريدة. تُتيح هذه المسارات نافذةً على التقاليد الصينية العريقة وحداثتها النابضة بالحياة، مما يسمح للسياح المحليين والدوليين على حدّ سواء بتجربة المهرجان بكلّ روعته وتنوّعه.
تاريخ النشر: 29 أكتوبر 2025