أخبار

في الثالث من سبتمبر/أيلول عام 2025، أقامت الصين عرضاً عسكرياً مهيباً في ميدان تيانانمن إحياءً للذكرى الثمانين لانتصار حرب الشعب الصيني ضد العدوان الياباني. وقد مثّل هذا العرض مناسبةً تاريخيةً هامةً في الساحة السياسية والعسكرية الصينية، إذ حمل دلالات تاريخية وعملية عميقة، وتردد صداها داخل البلاد وعلى الصعيد الدولي.

ترأس الرئيس شي جين بينغ، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، الفعالية. واستعرض الرئيس شي جين بينغ القوات المسلحة لجمهورية الصين الشعبية، بحضور ضيوف من مختلف الدول وممثلين عن شتى شرائح المجتمع، مما أضفى بعدًا دوليًا على الاحتفال المهيب. وكان عظمة المناسبة جلية، إذ مثّلت الخطوات المتناسقة للجنود وقوة المعدات العسكرية المعروضة شهادة قوية على قوة الأمة وكرامتها.

من منظور تاريخي، مثّل هذا الاستعراض تأملاً مؤثراً وعميقاً في حرب الشعب الصيني ضد العدوان الياباني. كانت حرب الشعب الصيني ضد العدوان الياباني حرباً شاقة وعادلة. واجهت الصين، وهي دولة شبه استعمارية وشبه إقطاعية، قوة إمبريالية تفوقها قوةً وطنيةً بشكل كبير. لم يثنِ الشعب الصيني، أمام الصعاب، عن حمل السلاح ببسالة. لم يكن تصميمهم الراسخ وتضحياتهم محورياً في مسرح عمليات شرق آسيا فحسب، بل أسهموا أيضاً بشكل كبير في النصر العالمي في الحرب العالمية ضد الفاشية.

كانت أعلام الشرف الثمانون للوحدات الباسلة في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني، التي رُفعت بفخر في العرض العسكري، بمثابة رواة صامتين لكن مؤثرين. مثّل كل علم منها بطولات لا تُحصى وتفاني الشعب الصيني خلال تلك الحقبة المظلمة. ذكّرت هذه الأعلام العالم بالمعارك التي لا تُعدّ ولا تُحصى التي خيضت، من المقاومة الشرسة في الشمال الشرقي إلى الدفاع المستميت في دلتا نهر اليانغتسي. لقد صمد الشعب الصيني، بروحه التي لا تلين، في وجه الغزاة اليابانيين الغزاة، وغالبًا ما كان ذلك على حساب أرواحهم.

من الناحية العملية، مثّل العرض العسكري استعراضاً شاملاً لإنجازات الصين البارزة في التحديث العسكري. وقدّم جيش التحرير الشعبي عرضاً مبهراً لمعدات متطورة وتشكيلات عسكرية متقنة. وكانت الأسلحة والمعدات الحديثة، كالصواريخ فرط الصوتية، والطائرات المسيّرة المتطورة، والسفن الحربية المتقدمة، محطّ أنظار العالم. ولم تكن هذه الروائع التكنولوجية مجرد رموز لتقدّم الصين في التكنولوجيا العسكرية، بل كانت أيضاً مؤشرات واضحة على قدرات البلاد المعززة لمواجهة مختلف التهديدات الأمنية في العصر الجديد.

أظهرت الصواريخ فرط الصوتية، على سبيل المثال، براعة الصين التكنولوجية المتطورة في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى. وقد أضافت قدرتها على التحليق بسرعات فائقة والمناورة بشكل غير متوقع بُعدًا جديدًا للردع الاستراتيجي الصيني. أما الطائرات المسيّرة، بقدراتها المتقدمة في المراقبة والضرب، فكانت دليلًا على تقدم الصين في مجال الحرب غير المأهولة، مما عزز قدرتها على جمع المعلومات الاستخباراتية وفعاليتها القتالية. في حين دلّت السفن الحربية المتطورة، المجهزة بأحدث الأنظمة والأسلحة، على قوة الصين المتنامية في مجال بسط النفوذ البحري والأمن البحري.

تركت أسراب الطائرات المشاركة في العرض العسكري انطباعًا لا يُمحى لدى المشاهدين. فقد حلّقت تشكيلة متنوعة من الطائرات، بما فيها المقاتلات والقاذفات وطائرات النقل، فوق ميدان تيانانمن بتنسيقٍ عالٍ ونظامٍ دقيق. وأظهر هذا العرض بوضوحٍ قوة الصين الهائلة في القتال الجوي وقدراتها الدفاعية الجوية المتينة. وكان تشكيل الرقم "80" من المروحيات لفتةً بصريةً مذهلةً ورمزيةً، إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار. كما أكدت اللافتات التي تحمل عبارات "العدالة ستنتصر" و"السلام سينتصر" و"الشعب سينتصر" المعلقة على المروحيات على الموضوع الرئيسي للعرض العسكري، ألا وهو إحياء ذكرى انتصار حرب المقاومة ضد العدوان الياباني والحفاظ على السلام.

حلّقت الطائرات المقاتلة، بتصاميمها الأنيقة ومحركاتها عالية الأداء، في السماء، مُجسّدةً تفوق الصين الجوي وقدراتها الهجومية. أما القاذفات، القادرة على حمل حمولات ثقيلة لمسافات طويلة، فكانت دليلاً على قدرات الصين في الضربات الاستراتيجية. في المقابل، لعبت طائرات النقل دورًا حاسمًا في ضمان تنقل القوات والإمدادات، مُبرزةً قدرات الصين في الدعم اللوجستي الجوي.

إضافةً إلى ذلك، حظي هذا الاستعراض بأهمية دولية بالغة، إذ شكّل منصةً قويةً لتعزيز التواصل والتعاون بين الصين والمجتمع الدولي. وكانت مشاركة الضيوف الأجانب دليلاً واضحاً على اعتراف المجتمع الدولي ودعمه لأنشطة الصين التذكارية لذكرى انتصارها في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني. وقد انتهزت الصين هذه الفرصة لتؤكد مجدداً دعمها الراسخ للتعددية والتعاون الدولي، كما اتخذت موقفاً حازماً ضد الهيمنة وسياسات القوة، داعيةً إلى نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً.

لم يكن موقف الصين من التعددية مجرد تصريحٍ نظري، بل كان انعكاساً لأفعالها. ففي المناقشات التي أعقبت العرض العسكري، اقترحت الصين عدة مبادرات لتعزيز التعاون الدولي في مجالاتٍ كحفظ السلام ومكافحة الإرهاب والإغاثة في حالات الكوارث. هدفت هذه المبادرات إلى تعزيز الاستقرار والازدهار العالميين، وقد لاقت استحساناً من العديد من الدول. ومن خلال معارضتها للهيمنة وسياسات القوة، دعت الصين إلى عالمٍ تُعامل فيه جميع الدول، بغض النظر عن حجمها أو قوتها، على قدم المساواة، ويكون لها رأيٌ في الشؤون الدولية.

بالنظر إلى المستقبل، أرست هذه الاستعراضات العسكرية أساسًا متينًا ودائمًا لتنمية الصين المستقبلية. وقد أشعلت حماسة الشعب الصيني في جميع أنحاء البلاد، وبثت فيه شعورًا متجددًا بالفخر والثقة في مسار الصين المستقبلي. وسيواصل الجيش الصيني، الملتزم ببناء جيش قوي ذي خصائص صينية، التركيز على تعزيز فعاليته القتالية. ويشمل ذلك الاستثمار المستمر في البحث والتطوير، وتدريب الأفراد العسكريين، وتحسين الاستراتيجيات العسكرية. وتبقى المهمة الأساسية للجيش هي الحماية الحازمة للسيادة الوطنية والأمن ومصالح التنمية.

علاوة على ذلك، ستواصل الصين لعب دورٍ متزايد الفعالية والبناء في المجتمع الدولي. وستسعى جاهدةً لتقديم إسهاماتٍ أكبر في السلام والتنمية العالميين، بالتعاون الوثيق مع شعوب العالم لبناء مستقبلٍ أكثر انسجاماً وازدهاراً واستدامة. ومن المتوقع أن تُشارك الصين بشكلٍ أكبر في جهود بناء السلام الدولي خلال السنوات القادمة، من خلال المشاركة في المزيد من عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والوساطة في النزاعات الدولية. أما على الصعيد الاقتصادي، فستُعزز الصين التعاون الاقتصادي الشامل والمستدام، على سبيل المثال، من خلال مبادرة الحزام والطريق، التي تهدف إلى تعزيز التواصل والتجارة بين الدول المشاركة.

كان للاستعراض العسكري أثر بالغ على جيل الشباب في الصين، إذ شكّل لحظة تعليمية غرست فيهم إحساسًا بالتاريخ الوطني والمسؤولية. وقد ألهم مشهد المعدات العسكرية المتطورة والقوات المنضبطة العديد من الشباب للتفكير في العمل في المجال العسكري أو المجالات ذات الصلة، وحفّزهم على المساهمة في تنمية البلاد وأمنها، حاملين معهم روح مقاومة الشعب الصيني للعدوان.

في الختام، كان العرض العسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لانتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني حدثًا متعدد الأوجه. فقد كان تكريمًا تاريخيًا، واستعراضًا للقوة الوطنية، ورسالة دولية، ومصدر إلهام للمستقبل. ومع مضي الصين قدمًا، ستستمر الدروس المستفادة من هذا العرض وزخمه في تشكيل سياساتها الداخلية والخارجية، بما يُسهم في بناء عالم أكثر ازدهارًا وأمانًا وسلامًا.


تاريخ النشر: 3 سبتمبر 2025