لم تقتصر أحداث 18 سبتمبر 1931 على فرض الاحتلال العسكري على شمال شرق الصين، بل أشعلت أيضًا موجة من المقاومة الشعبية بقيادة عامة الناس. فمن المزارعين والعمال إلى الطلاب والمعلمين، توحد الرجال والنساء من جميع الأعمار والخلفيات للدفاع عن ديارهم ومجتمعاتهم وأسلوب حياتهم ضد العدوان الياباني. هذه المقاومة، التي غالبًا ما يتم تجاهلها في الروايات التاريخية الأوسع، كانت شاهدًا على صمود وشجاعة شعب شمال شرق الصين.
خلال الأشهر التالية، ظهرت جماعات مماثلة في جميع أنحاء شمال شرق الصين، تحمل أسماءً مثل "جيش متطوعي الشمال الشرقي"، و"جيش الإنقاذ الوطني المناهض لليابان"، و"جيش التحرير الشعبي لشمال شرق الصين". تفاوتت هذه الجيوش في حجمها - فبعضها لم يتجاوز بضع عشرات من الأعضاء، بينما نما بعضها الآخر ليصل إلى الآلاف - لكنها جميعًا تشترك في هدف واحد: طرد القوات اليابانية من أرضهم. فعلى سبيل المثال، نظمت قوات الدفاع الذاتي الشعبية في جيلين شبكة من "الوحدات العائلية" حيث انضمت أسر بأكملها إلى القضية. في إحدى القرى، قاتلت عائلة تشانغ - الأب وابناه، وحتى ابنتها البالغة من العمر 16 عامًا - معًا، واستخدمت الابنة معرفتها بالطب العشبي لعلاج الجرحى.
كانت التكتيكات التي استخدمتها هذه الجيوش المتطوعة مُصممة خصيصًا لتضاريس المنطقة، التي شملت غابات كثيفة وسهولًا شاسعة ومناطق جبلية. واعتمدت هذه الجيوش على حرب العصابات، حيث شنت هجمات مفاجئة على المواقع اليابانية، ونصبت الكمائن لقوافل الإمداد، ودمرت خطوط السكك الحديدية لتعطيل العمليات العسكرية اليابانية. فعلى سبيل المثال، في أكتوبر/تشرين الأول 1931، هاجمت مجموعة صغيرة من المتطوعين في جنوب لياونينغ قطارًا عسكريًا يابانيًا، ودمرت أسلحة ومؤنًا، وحررت أسرى صينيين كانوا يُنقلون إلى اليابان. واستغلت هذه الغارة الجريئة، بقيادة عامل سكك حديدية سابق يُدعى لي داوي، معرفته الدقيقة بالسكك الحديدية لإخراج القطار عن مساره عند منعطف ناءٍ. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، شن متطوعون في مقاطعة جيلين هجومًا منسقًا على حامية يابانية في تشانغتشون، واستعادوا أجزاءً من المدينة مؤقتًا قبل أن يُجبروا على الانسحاب بسبب تفوق القوة النارية اليابانية. واستهدف مقاتلو المقاومة مستودع ذخيرة الثكنات بشكل استراتيجي، وأضرموا فيه النار باستخدام عبوات حارقة محلية الصنع مصنوعة من الكيروسين والزجاجات.
ما جعل هذه الجيوش التطوعية مميزة بشكل خاص هو قدرتها على البقاء والعمل رغم النقص الحاد في الأسلحة والغذاء والإمدادات الطبية. قاتل العديد من المتطوعين ببنادق وسيوف قديمة، بل وحتى بأدوات زراعية، بينما اعتمد آخرون على تبرعات المجتمعات المحلية لتوفير الطعام والملابس. غالبًا ما كان المزارعون المحليون يوفرون المأوى للمتطوعين، ويخفونهم عن الدوريات اليابانية، ويتقاسمون معهم محاصيلهم الضئيلة. في منطقة يانجي، حفر القرويون شبكة من الأنفاق تحت منازلهم، فأنشأوا ملاجئ سرية حيث يمكن للمقاتلين الراحة والتعافي. أنشأ الأطباء والممرضون، سواء المدربون منهم أو الذين تعلموا بأنفسهم، مستشفيات مؤقتة في الكهوف أو المباني المهجورة، يعالجون الجنود الجرحى بمعدات طبية محدودة. ابتكرت الدكتورة وانغ ميلينغ، خريجة كلية بكين الطبية المتحدة، التخدير باستخدام الأعشاب الصينية التقليدية، وأجرت عمليات جراحية منقذة للحياة باستخدام أدوات مطبخ معقمة.
لعب الطلاب والمثقفون دورًا محوريًا في المقاومة. ففي مدن مثل شنيانغ وهاربين، نظّم طلاب الجامعات جماعات سرية لنشر دعاية مناهضة للاحتلال. ووزّعوا منشورات تُفصّل الفظائع اليابانية، وكتبوا مقالات لصحف سرية، وعقدوا اجتماعات سرية للتخطيط للاحتجاجات ومقاطعة البضائع اليابانية. فعلى سبيل المثال، طوّرت "جمعية ندفة الثلج" في معهد هاربين للتكنولوجيا نظام تشفير متطورًا لتهريب الأدبيات المحظورة. وطبعوا قصائد ثورية على ورق الأرز، الذي يمكن إذابته في الماء ثم إعادة لصقه بواسطة طابعين متعاطفين. كما ترك العديد من الطلاب جامعاتهم للانضمام إلى جيوش المتطوعين، مستخدمين تعليمهم للمساعدة في الاستراتيجية والتواصل واللوجستيات. وصمّمت مجموعة من طلاب الهندسة من معهد شنيانغ للتكنولوجيا سلسلة من الألغام الأرضية المرتجلة باستخدام أنابيب معدنية مهملة وبارود أسود، مما زاد بشكل كبير من فعالية هجمات حرب العصابات.
شكّلت النساء جزءًا حيويًا آخر من حركة المقاومة. فبينما انضمت العديد منهن إلى جيوش المتطوعين كممرضات أو ساعيات، شكّلت أخريات منظماتهن الخاصة لدعم القضية. في مقاطعة لياونينغ، أسّست مجموعة من النساء "جمعية إنقاذ نساء الشمال الشرقي ضد اليابانيين"، التي جمعت التبرعات لجيوش المتطوعين، وخاطت الملابس للجنود، وقدّمت الرعاية لأسر المقاتلين. ابتكرت زعيمة الجمعية، السيدة تشاو، أسلوبًا فريدًا لجمع التبرعات: نظّمت "احتجاجات صامتة" حيث تتجمع النساء في الساحات العامة يحكن سترات للجنود، وتمثّل كل غرزة تبرعًا. كما لعبت النساء دورًا محوريًا في جمع المعلومات الاستخباراتية، مستخدمات أدوارهن كربات بيوت وبائعات في الأسواق لجمع معلومات عن تحركات القوات اليابانية ونقلها إلى قادة المقاومة. في موكدين (شنيانغ حاليًا)، ابتكرت شبكة من البائعات في سوق نانمن نظامًا معقدًا من الإشارات اليدوية والمحادثات المشفرة لنقل المعلومات حول جداول الدوريات اليابانية.
كان لجهود المقاومة التي بذلها سكان شمال شرق الصين أثرٌ بالغٌ على الاحتلال الياباني. فرغم عدم تمكنهم من طرد القوات اليابانية من المنطقة فورًا، إلا أنهم أجبروا جيش كوانتونغ على تخصيص موارد كبيرة لقمع المقاومة، مما أدى إلى إبطاء خطط التوسع الياباني. وتُشير سجلات الأرشيف العسكري الياباني إلى أنه بحلول عام ١٩٣٣، كان أكثر من ٣٠ ألف جندي منخرطين في عمليات مكافحة حرب العصابات في منشوريا. كما ألهمت هذه الجهود الناس في جميع أنحاء الصين للانضمام إلى حركة المقاومة الوطنية، ممهدةً الطريق لحرب المقاومة الأوسع نطاقًا ضد اليابان التي بدأت عام ١٩٣٧. وقد تم توثيق الأعمال البطولية لمتطوعي الشمال الشرقي في سلسلة من الكتيبات التي تم توزيعها سرًا بعنوان "قصص المقاومة"، والتي أصبحت قراءة إلزامية للمجندين الجدد في الجيش الوطني الثوري الصيني.
اليوم، تُشكّل قصص هؤلاء المقاومين المدنيين جزءًا هامًا من إرث أحداث 18 سبتمبر. فهي تُذكّرنا بأنه حتى في أحلك الظروف، يملك الناس العاديون القدرة على الدفاع عن الحق. كما تُسلّط الضوء على أهمية التكاتف والتضامن والشجاعة في مواجهة الظلم، وهي رسالة لا تزال حاضرة في أذهان الناس حول العالم. ويضمّ النصب التذكاري للمقاومة المانشورية، الذي افتُتح مؤخرًا في تشانغتشون، معروضات تفاعلية، تشمل نماذج مُصغّرة لأنفاق المقاومة وإعادة تمثيل ثلاثية الأبعاد لمعارك رئيسية، ما يضمن استمرار هذه القصص البطولية في إلهام الأجيال القادمة.
تاريخ النشر: 18 سبتمبر 2025
